بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وسع كل شيء علماً، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي علمنا أنه لا خير في علم لا ينتفع به، وبعد،.

فإنه من دواعي سروري وسعادتي أن أقدم لقرائنا الكرام التقرير السنوي الثالث لمركز فقيه للأبحاث والتطوير، والذي يسجل نشاطاته العلمية والبحثية والتطويرية خلال عامي 1420ـ1421هـ. ولقد تحققت في هذا العام إنجازات طيبة بفضل الله وتوفيقه، وارتاد المركز خلاله مجالات علمية جديدة مكملة لرسالته كمؤسسة بحثية خيرية رائدة تهدف للإسهام في حل مشكلات المجتمع المحلية والوطنية ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، بالأسلوب العلمي السليم، وأن تقدم للناس علماً ينتفع به، لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض ويصبح عملاً صالحاً يستمر نفعه وفائدته إلى ما شاء الله.

ومن المسلم به الآن أننا نعيش في عصر جديد يختلف تماما عن العصور السابقة، وهو عصر التكنولوجيا التي أصبحت هي القوة العظمى في العالم الآن، وأن الفجوة هائلة بين الإمكانات العلمية والتكنولوجية العربية، وبين تلك الإمكانيات على المستوى العالمي. ولقد أصبح البحث العلمي والتطوير جزءاً من نسيج المجتمع في الدول المتقدمة وليس مجرد ترف كما ينظر إليه البعض، وهو ما يتضح بجلاء من ضخامة ميزانيات البحث العلمي عندهم والتي يسهم فيها القطاع الخاص بالنصيب الأكبر، وتدعمها المؤسسات الخيرية دعماً سخياً.

ومن هذا المنطلق كان إنشاء مركز فقيه للأبحاث والتطوير بياناً عملياً لمساهمة القطاع الخاص في بناء القاعدة العلمية التي تفتقر إليها بلادنا من ناحية، وتطبيقاً مخلصاً للمفهوم الصحيح للعمل الخيري الذي يتصور البعض أنه مقصور على إخراج الصدقات ومد يد العون للمحتاجين، مع أن الناس قد تكون حاجتهم أشدّ لمشروع يرفع عنهم المعاناة اليومية ويذلل أمامهم صعوبات الحياة فيكون عائده مستديماً، وأوسع نطاقاً، وفيه منافع للناس.

ومن الجدير بالتنويه أن دعم أهل الخير لمعاهد العلم والبحث العلمي إنما هو تقليد إسلامي أصيل نشأ في بلادنا. وتمثل في نظام الوقف الذي كان له دور مشهود في صنع الحضارة الإسلامية، وإنه لمما يبعث على الارتياح ويجدد الأمل تلك الجهود المخلصة التي يبذلها أولو العزم من المسؤولين عن الأوقاف في حكومتنا الرشيدة لإحياء ذلك الدور العظيم للأوقاف – وفقهم الله، والإسهامات الطيبة من جانب أهل الخير في بلادنا، وما أكثرهم والحمد لله. وعلى حين تراجع دور الوقف في بلاد المسلمين، فإن هذا التقليد الذي ثبتت ضرورته واتضحت جدواه في كل العصور، قد انتقل إلى الدول المتقدمة ويؤدي دوره الحضاري عندهم كما يتضح من تقرير "الأوقاف على الأعمال الخيرية في الولايات المتحدة " والتي يذهب جزء كبير من عوائدها أو معظمها لدعم البحث العلمي والتعليم العالي.

إن الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في الدول المتقدمة لا يقتصر على الحكومات وحدها كما هو الحال عندنا، بل إن القطاع الخاص يسهم بالجانب الأكبر في ميزانيات البحث العلمي بنسب تصل إلى 66% في اليابان، و65% في بريطانيا، وترتفع هذه النسبة إلى 72% في الولايات المتحدة على نحو ما نطالعه في التقرير عن " الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة البريطانية للبحث العلمي" والتقرير الآخر عن الدعم الذي تقدمه الحكومة الأمريكية للأبحاث العلمية، ومدى استفادتها من نتائج هذه الأبحاث "، لكي يعلم الجميع أن الإنفاق على البحث العلمي استثمار مضمون الربح يعود على المجتمع كله بفوائد جمة ومنافع عديدة.

وقد أجمع الخبراء على أن التقدم العلمي لا يمكن أن يتحقق في بلد ما بدون وجود قاعدة علمية سليمة قادرة على تطبيق وتطوير التكنولوجيا في جميع المجالات. ومن مقومات هذه القاعدة العلمية انتشار الثقافة العلمية في المجتمع بحيث يصبح الاهتمام بالعلم جزءاً من نسيج هذا المجتمع، ويصبح الأسلوب العلمي منهجاً في التفكير والتخطيط والتصميم والتنفيذ.

وكجزء من الدور الريادي الذي يضطلع به مركزنا، فقد تم الاتفاق مع جريدة (الندوة) على تخصيص صفحة أسبوعية يحررها المركز بعنوان " العلم والمجتمع " هدفها نشر الوعي بأهمية البحث العلمي، ومتابعة الاكتشافات العلمية في مختلف المجالات، والتعريف بالتقنيات الجديدة والتقنيات المستقبلية التي يجري تطويرها في المعامل والمختبرات، ونشر الثقافة العلمية بين المواطنين.ومن مقومات هذه القاعدة العلمية المطلوبة لبلادنا أيضاً بناء مراكز للتفوق وتبني النابغين والموهوبين من الشباب، وإتاحة الفرصة لهم للعمل والإبداع، والاستفادة من قدراتهم غير العادية. ومن هنا بدأ المركز مشروعه للتعاون مع مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين في شكل مسابقة عامة لتشجيع الموهوبين من أبناء المملكة على تطوير ابتكارات علمية أو أطروحات تقنية في مجالات توفير المياه، والمحافظة عليها، وهي المجالات التي يوليها المركز اهتماما خالصاً لأهميتها الحيوية بالنسبة للمملكة وسيتبنى المركز المشاريع الواعدة بالدعم والتطوير حتى تثمر مخترعات تقنية تثري النهضة الصناعية في بلادنا وتحقق الطموحات العلمية للموهوبين.

ولقد خطا مركزنا خطوة رائدة أخرى بأن طلب من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية تسجيل براءتي اختراع لجهازين تم تطويرهما : أحدهما لتلطيف الجو الداخلي للمباني وتوفير المياه العذبة، والآخر لإنتاج المياه العذبة من الهواء شديد الرطوبة والحرارة، بتكلفة في مقدور عامة المستهلكين استثماراً للنتائج التي توصلت إليها أبحاثه عن استخلاص المياه العذبة من رطوبة الجو، وهذه الأجهزة التي تم ابتكارها تشتد الحاجة إليها في الأماكن التي يتعذر تزويدها بالماء من شبكات التوزيع العامة. ويواصل مركزنا أبحاثه الهادفة إلى حماية مكاسب التنمية في بلادنا وصناعاتنا الوطنية من الآثار السلبية للنظام العالمي الجديد والعولمة التي تنطلق بعنفوان شديد يحركها التقدم التكنولوجي، وامتدت أخطارها المدمرة إلى عدة دول نامية.

ومتابعةً لاهتمام المركز بدراسة الجودة النوعية للأدوية المستوردة بعد أن تواترت الأنباء عن غش وتزييف الأدوية المصدرة للدول النامية عموما، فقد تم إعداد ملف صحفي يتضمن كل ما نشر في الخارج عن هذا الموضوع لتسليط الضوء على الممارسات غير القانونية لشركات الأدوية الغربية من تلاعب في التصنيع، أو غش في الجودة النوعية، أو فرض أسعار مجحفة لبيعها في أسواق الدول النامية.

ونظراً لخطورة الأدوية المزيفة على صحة المواطنين، مما يستوجب التصدي لهذه الظاهرة بطريقة علمية، فقد تم الاتفاق مع جامعة أم القرى على تأسيس كرسي علمي لإجراء أبحاث أصيلة في مجال علوم الأدوية والسموم.

ولما كانت المملكة مقبلة على الالتزام بأنظمة منظمة التجارة العالمية الحرة التي تقتضي فتح باب المنافسة التجارية على مصراعيه، مما يتطلب الاحتياط لحماية صناعاتنا الوطنية الناشئة من رياح هذه المنافسة العاتية، فقد أجرى المركز دراسة عن " أسعار الدواجن في دول الاتحاد الأوروبي، والإعانات التي تقدمها الدول للمصدرين "، وقد كشفت هذه الدراسة عن أن الاتحاد الأوروبي – وهو من أكبر المصدرين للحوم الدواجن إلى المملكة – هو أكثر أعضاء منظمة التجارة العالمية إنفاقاً على دعم الصادرات الزراعية، وأنه لا يلتزم بما تفرضه عليه اتفاقية هذه المنظمة من خفض لحجم الدعم، مما يهدد صناعة الدواجن في المملكة والتي هيأت لها حكومتنا الرشيدة أسباب النمو والتقدم في إطار سياستها الرامية إلى الاكتفاء الذاتي للمملكة من المنتجات الزراعية.

وفي إطار اهتمام المركز بمشكلة شح المياه في المملكة وترشيد استعمالها، أجريت دراسة ميدانية للاستفادة من مصارف السيول في مدينة جدة. وقدمت الدراسة عدة بدائل للاستفادة من مجرى السيول في مشروع حضاري لتطوير هذه المدينة العظيمة ( عروس البحر الأحمر ) عرضت على أمانة مدينة جدة التي اختارت منها الحل المناسب لمخططاتها وهو تقليل عرض الشوارع الحالية مع استعمال سطح المجرى المغطى كطريق للمشاة وحدائق. ويأمل المركز أن يكون هذا البحث نواة لبحوث أخرى تتعلق بأساليب معالجة مصارف السيول وتصريف الأمطار في المدن وكيفية الاستفادة منها.

ومن الأبحاث الميدانية الأخرى التي يجريها المركز في هذا المجال أيضاً بالتعاون والتنسيق مع الدوائر الحكومية ذات العلاقة " دراسة عن التسربات من شبكة توزيع المياه بمدينة مكة المكرمة "، بالتعاون مع مصلحة المياه والصرف الصحي في العاصمة المقدسة. وتُجرى حالياً الدراسات الميدانية لتقدير كمية الفاقد من المياه في مختلف أنحاء مكة المكرمة بسبب التسرب، وتحديد أماكن التسربات تمهيداً لصيانة الشبكة وإصلاحها بأحدث الطرق العلمية.

كما تم بفضل الله إنجاز الدراسة التي طلبتها أمانة العاصمة المقدسة حول تأثير الأساسات على انسيابية حركة الماء الجوفي في وادي إبراهيم بمكة المكرمة "، والتي تتسبب في ارتفاع منسوب الماء الجوفي بما يترتب على ذلك من مشكلات صحية وعمرانية. وقد توصلت الدراسة إلى نتائج مفيدة بنيت على أساسها التوصيات اللازمة لمواجهة هذا التأثير السلبي من حيث اختيار نوعية الأساسات وأعماق الإنشاء والتأسيس حسب موقعها في الوادي، واتجاه سريان المياه الجوفية. وقدمت نتائج الدراسة وتوصياتها لأمانة العاصمة المقدسة المختصة بالمحافظة على الوضع الهيدرولوجي في المنطقة.

تلك هي أبرز الأعمال والأبحاث والدراسات والتقارير وأوراق العمل ومشاريع البحوث المقترحة، والمساهمات العلمية الأخرى التي يحفل بها تقرير المركز لعام 1420هـ، نقدمها لأحباء المركز الذين أفاضوا علينا الكثير من التقدير والتشجيع، والذين يستمد المركز من تأييدهم لنشاطه ومؤازرتهم لمشروعاته البحثية والتطويرية قوة دافعة لمواصلة المسيرة في خدمة هذا البلد الأمين. وإن إدارة المركز لمدينة حقاً بالشكر والعرفان لأصحاب السمو الملكي الأمراء وأصحاب المعالي الوزراء والمسئولين والعلماء والأساتذة والباحثين والكتاب والمفكرين ورجال الإعلام وغيرهم من أهل العلم والفضل الذين بعثوا إلينا برسائل التقدير والتهاني الصادقة بعد اطلاعهم على تقرير المركز لعامي 1418-1419هـ.

ولا نملك إلا الدعاء للمولى عز وجل أن يجزيهم خير الجزاء، شاكرين لهم حسن ظنهم، معتزين بحسن ثنائهم، فخورين بجميل تجاوبهم.

كما أشيد بجهود العلماء والخبراء والباحثين ومساعديهم ممن قاموا بتنفيذ هذه الأبحاث وإجراء هذه الدراسات، وإعداد هذه التقارير.

والشكر الجزيل موصول ومتجدد دائماً لأولي الأمر الكرام قادة هذه المملكة وصناع الحضارة والتقدم على أرضها، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك فهد بن عبد العزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران، وسمو أمير منطقة مكة المكرمة الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز الذين يسَّرُوا لنا عمل الخير وأعانونا عليه، زادهم الله عزاً ونصراً وتوفيقاً.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ولا يضيع أجر من أحسن عملاً.

عبد الرحمن عبد القادر فقيه

"سجل المركز ثلاث براءات اختراع في الولايات المتحدة الأمريكية، مكتب براءات الاختراع لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، تتعلق باستحداث أجهزة لاستخلاص المياه من رطوبة الجو، وقد قام المركز بتطوير جهازين احدهما لتلطيف الجو الداخلي للمباني وتوفير المياه العذبة، والأخر لإنتاج المياه العذبة من رطوبة الجو."


”إن الأعمال الخيرية لا تتوقف على مجرد الصدقات وإطعام الفقراء وإسكانهم وعلاجهم فقط ، ولكن قد تكون فكرة أو بحثاً علمياً ينفع المواطن ويدرأ عنه بعض المتاعب التي تعترض حياته، أو يوفر له بعض حاجات الحياة كترشيد استهلاك المياه أو الكهرباء أو إيجادها بسعر مخفض، وعليه يستفيد منها ملايين الناس وعلى امتداد الزمن ومن هذا المنطلق كانت فكرة مركز الأبحاث“


إن القطاع الخاص يسهم بالجانب الأكبر في ميزانيات البحث العلمي بنسب تصل إلى 66% في اليابان، و65% في بريطانيا، وترتفع هذه النسبة إلى 72% في الولايات المتحدة على نحو ما نطالعه في التقرير عن " الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة البريطانية للبحث العلمي " والتقرير الآخر عن الدعم الذي تقدمه الحكومة الأمريكية للأبحاث العلمية، ومدى استفادتها من نتائج هذه الأبحاث "، لكي يعلم الجميع أن الإنفاق على البحث العلمي استثمار مضمون الربح يعود على المجتمع كله بفوائد جمة ومنافع عديدة.


يهدف المركز إلى المساهمة في تطوير أداء القطاعين: العام والخاص من أجل تهيئة بيئة حضارية صالحة لرخاء المجتمع وازدهاره الاقتصادي. وسبيله لبلوغ هذه الغاية هنو إجراء الأبحاث العلمية -إعداداً وتنسيقاً ودعماً وتطويراً- متوخياً أن تكون الأبحاث التي يتبناها لصيقة بالواقع وقابلة للتنفيذ حسب المعايير الفنية المتعارف عليها.